مثل ما ودعت بلاقي

بات الشعور خلال وبعد لحظات الوداع يأخذ عندي أكثر من شكل، ويتبعه خليط من المشاعر المركبة كل مرة، أتحدث عن لحظات مشاهدة جمع الملابس ومحاولة ترتيبها في شنطة، الشنطة التي يُجمع فيها كل ما قد يترك خلف صاحبها من أثر قد يُمدد من حضوره، حضور صاحبها، ثم توضع أمامك وتنضم لخوض أطراف ما تبقى وما فات من حديث وأفكار في الوقت الضائع، تحاول مدّه، ولكن عداد الوقت التنازلي لا يُبقي أملًا.

دقت ساعة التحرك، يلا؟، تمشي معه حتى باب السيارة، تضع الشنطة بيدك، ثم المصافحة والأحضان، أحضان أقل حرارة من أحضان الاستقبال. انتهى الوداع، تأخذ خطوة للوراء وتسمح لفكرة السيارة -إن لم تكن السيارة وفكرتها -بالمرور ، تمر ويمر معها أحد المشاعر المُركبة، بالأغلب لا يمر!، ولكنك تميزه من بين الخليط، ثم تعود إلى كنبتك، كما كنت قبل حضوره، وحيدًا.

في العودة إلى مشاهد الوداع الأولى، لم أجدني مودعًا أحدهم إلا قليلًا، كنت بالأغلب أشاهدها، أشاهد أغلب ما تم ذكره أعلاه لدقائق طويلة وساعات، ساعات تمتد على مدار يومين إلى ثلاثة، وداع الأصحاب والأقارب البعيدين فالأقربين، وصولًا لوداع من تبقى على عتبة المنزل.

حين وعيت على فكرة السفر، كنت أنا المسافر، المسافر المشغول بالمراحل التالية من رحلته، أغادر أهلي بعد زيارة خلال إجازة الصيف من الجامعة، مقبلًا غير مدبر. أظن العودة إلى روتين حياتي كانت تعميني وقتها عن مشاعر الواقفين على عتبة منزلنا، لم أكن أشاركهم حزنهم حتى.

حزن المودع هذا لم أعرفه إلا مؤخرًا، هذا الشهر، بعد أربعة أعوام تقريبًا على إقامتي في اسطنبول. زارني أهلي على ثلاثة مراحل، عاشوا يومياتي وانخرطوا بها، فأضافوا بذلك إلى روتيني الكثير مما ينقصني وما أحتاج من مشاعر أظنّي أحتاج وقتًا لتمييزها، المهم أن كل تلك المشاعر تُغطى بأخرى قاسية مع بدء حضور سؤال: “إيمتى مروحين؟”.

حاولت الهروب من هذا الحزن، الحزن على الكنبة، ولكني وجدتني أؤجله لا أكثر، من الأفضل إعطائه حقه، ها أنا أعطيه حقه، فرأيتني أتحسس أصول الحزن، عائدًا إلى الوراء، مستحضرًا كل التفاصيل، حتى وصلت إلى مشهد وقوف أهلي لوداعي على عتبة منزلنا حزينين مثلي الآن، يأتيني اتصال  من صديق، “مثل ما ودعت تلاقي”، صحيح، ها أنا ألاقيه، “مثل ما ودعت بلاقي”.

 

شارك :

المزيد

نبذة عن الكاتب

استنونا الخميس في الحلقة ٥٥ من ‫#بودكاست_تقارب‬ مع منذر أبو بكر وحوار حول رياضة الدراجات في بلد لا مسارات فيها.

‫#والنعم_والنعمتين‬
...

40 0

استنونا الخميس ... #بودكاست_تقارب #والنعم_والنعمتين ...

71 5

العكوب لا يُعطا المقلوبة 😂 #مقلوبة_مباركة #بودكاست_تقارب #والنعم_والنعمتين ...

47 3

"نسخة تجريبية"، هكذا تجد كتب المنهاج الفلسطيني معنونة، للحفاظ والتأكيد على فرص التطوير المستمرة، وذلك وسط متغيرات سياسية داخلية تجد طريقها للكتب، وتأثيرات الممول والسعي لنيل رضاه، هذا غير رقابة الاحتلال ومؤسساته.

الحلقة ٥٤ من #بودكاست_تقارب مع مي أبو مغلي و"صناعة المناهج".

روابط الحلقة في البيو، وتجدونها قي اليوتيوب ومنصات البودكاست
...

19 0

استنونا الخميس في الحلقة ٥٤ من #بودكاست_تقارب مع مي أبو مغلي وحوار عن صناعة المناهج الفلسطينينة. ...

51 0

استنونا الخميس #بودكاست_تقارب #والنعم_والنعمتين ...

33 0

تعودت أغرّق حالي بكثير تفاصيل وأضل أفكر فيها لحد ما أمرقها، ومع الوقت صرت أحس منيح طول ما أنا غرقان، وبس يسألني صاحب شو أخبارك، الإجابة بإني "غرقان بالشغل" هيي مفتاح الحالة.

بعد عمر قليل، لقيت إنه الغرق في الشغل سبقه غرق بكثير أسئلة عن المستقبل والطموح وشو بدك تكون، ورح يضل ينضاف عليها كثير تفاصيل لقدام، لتصير إجابتي: غرقان بالشغل والدراسة ومع العيلة والاولاد و .... الخ، مش كيف حاسس معهم.

لما يتحول الغرق بحد ذاته للشعور المرافق بأغلب محطات حياتك، بلاقي حاله الوحد مش مقدر إنه أخد ترقية في الشغل لحد ما صديق يقوله ليش مش مبسوط؟! هوي أنا مبسوط بس بفكر بالشغل!

وبتلاقي حالك بتحكي مع حالك ع طاولة الأكل مع العيلة وانت بتفكر بمستقبل العيلة، محتاج حدا ع الطاولة يحكيلك إنك حكيت مع حالك من شوي، عشان تفتح عينيك وتشوف قدام عينك العيلة اللي المفروض تنبسط معها اليوم.

وبتخسر شريكة محتملة وانت بتغرّقها معك في شكك وقلقك أكثر من اهتمامك ومحبتك، وبس تقولك بديش هذا الغرق وكل هاي الهدايا، بتنصدم، وبعد شوية وقت بتصحى ع حالك، وبتشوفها غرقانة بتفاصيل كفاية، مش ناقصها.

ما حدا فينا بعيد عن هاي المعادلة، هاي الحياة اللي بنعيشها وبنلعب فيها، واحنا خايفين من شكل المستقبل، بنخسر يومياتنا، وبنخسر تفاصيل بين إيدينا وإحنا بنركض ورا بكرة، بنميزش حتى الخسارة لأنه عنا خوف من كمان خسارة، ولأنه عيننا لقدام بعيد.

إحنا أولاد القلق الدائم، ورثناه وربينا وكبرنا عليه، حتى لو ما كان اله أسباب حاضرة اليوم، كل حدا فينا بطلع ع حاله أو عنده صديق بشوفه من بعيد مش ناقصة شي، بس كمان قلقان، وبالأغلب بخسر فرص بسبب قلقه بس.

ما بتميز هذا الحكي غير لما تفصل عدادات راسك تماما عن التفكير والعد والحسابات، والمشكلة إنك بتعرفش أو بتخاف تفصلها، فبدك الحظ يحطك بظروف تفصلك وتهدّي بالك شوي.

بالمناسبة، الله يهدّي بالك، من أجمل الدعوات اللي بتمس الواحد فينا من جوا.

الله يهدّي بال الجميع. ❤️

📸 : @mahmoud.a.badawi
...

441 40

فش صوت مش مهم، قوم ارقص عليه. ...

173 16

‏حاورت سامي أبو شحادة في الحلقة الثانية من #بودكاست_تقارب قبل عام ونصف حول العمل السياسي في أراضي ال٤٨ وتحدياته.

‏أعيد نشر الحلقة اليوم بالتزامن مع محاولات تصفيته سياسيا، ولما فيها من حديث كأنه سُجل اليوم.

‏رابط الحلقة الثانية في البيو وتجدونها في اليوتيوب ومنصات البودكاست.
...

563 2