الشك والفضول وطاقية الإخفاء

“شو القوى الخارقة اللي نفسك فيها؟”، في صف مدرسي ما في المرحلة الابتدائية، فُرض هذا السؤال ما بين زملائي، كان منبعه غالبًا عرضُ أفلام مصرية بشكل متتابع على القنوات التلفزيونية المتاحة وقتها، تقدم وتعالج القوى الخارقة وآثارها، علق في ذهني فيلم مصري شاهدته ولا أذكر غير فكرته، يتحدث عن شخص حصل على طاقية إخفاء، تتيح له الولوج أينما اراد، والاطلاع والاستماع إلى الأحاديث المتبادلة بين الناس.

كان هنالك فيلم مصري آخر، يُعرض في ذات الوقت، يتحدث عن أداة نسيتها تمامًا، أداة أكثر تطورًا من طاقية الإخفاء، تتيح قراءة الأفكار، وتستمع من خلالها للأحاديث الدائرة بين الشخص ونفسه، تتيح بالنتيجة معرفة ما يدور في عقل الشخص، وتوقع ما يخرج من فمه.

لم أهتم وقتها بتلك الأداة بقدر طاقية الإخفاء، كنت أقول أن طاقية الإخفاء تسمح لك الدخول لغرف مغلقة بدل استراق النظر من فتحة مفتاح الباب، وتتيح لك بعدها الحضور والاستماع لما يخفى عنك، بينما تفرض عليك الأداة الاخرى العجيبة الكثير من التفاصيل الغبية من الحديث الذي يدور بين الشخص ونفسه، والتي تحتاج لجهد من الأفضل أن يوضع في تحليل خلاصات تفكير الأشخاص وأحاديثهم، التي تُسمع منهم.

لم أكن أفكر وقتها أنه مع تقدم العمر قد يكبر عندك شيءٌ اسمه الشك، بالإضافة إلى الفضول وحواس أخرى. والذي إن تنامى جيدًا، ستحتاج أكثر من أدوات تلك الأفلام.

تنامي الفضول بعدها، وتدعيمه بالإحساس والشك والكثير المتنامي أيضًا، جعل من كسر الشك باليقين على الأقل ضرورة لفهم نفسك قبل فهم ما يجري من حولك، صرت أحتاج لطاقية الإخفاء وتلك الأداة العجيبة، وأكثر منهما.

إن تنامت لديك قدرات تلك الأدوات، سيفرض عليك حجم التفاصيل تحدٍ قاسٍ حول مدى قدرتك على احتمال مجرد الاطلاع عليها، ما تحب منها وما تكره، ثم مواجهة معرفتها، والتي بالأغلب لن تستطيع احتمالها، ولا حتى إدارة تبعاتها، وصولًا لمواجهتك لسؤال “هل نحتاج لمعرفة هذا؟”.

كانت الحياة أجمل من غيرها، من غير الفضول، من غير الاحساس اليقيني بغموض ما من حولك، قبل الاحساس بنقص المعلومة، ومن ثم الشك، الشك الذي يرشدك إلى مواضع نقص المعرفة واليقين، المعرفة التي تفرض عليك مواجهة الواقع، واليقين الذي تحتاجه للإيمان، المعرفة والواقع واليقين ثم الإيمان الذي قد لا تحتاجه أحيانًا كثيرة، لا تحتاجه على الإطلاق!.

كثير منا ينشغل بتحسس تفاصيل نفق آخره ضوء، وكثير آخر ينشغل بما بعده، ولكن الكثيران ينشغلان عن رؤية الضوء بحد ذاته، عن اليقين بوجود الضوء، الضوء الذي قد لا تحتاج لرؤية غيره، لا تحسّس النفق، ولا حتى التفكير فيما بعده.

قد يبقيق تحسس النفق وتوقع ما بعده دون التركيز والاستمتاع في رؤية الضوء، سيبقيق في الأنفاق، فاستمتع بشعور اليقين بالضوء على الأقل.

 

 

شارك :

المزيد

نبذة عن الكاتب

استنونا الخميس ... #بودكاست_تقارب #والنعم_والنعمتين ...

62 4

العكوب لا يُعطا المقلوبة 😂 #مقلوبة_مباركة #بودكاست_تقارب #والنعم_والنعمتين ...

47 3

"نسخة تجريبية"، هكذا تجد كتب المنهاج الفلسطيني معنونة، للحفاظ والتأكيد على فرص التطوير المستمرة، وذلك وسط متغيرات سياسية داخلية تجد طريقها للكتب، وتأثيرات الممول والسعي لنيل رضاه، هذا غير رقابة الاحتلال ومؤسساته.

الحلقة ٥٤ من #بودكاست_تقارب مع مي أبو مغلي و"صناعة المناهج".

روابط الحلقة في البيو، وتجدونها قي اليوتيوب ومنصات البودكاست
...

19 0

استنونا الخميس في الحلقة ٥٤ من #بودكاست_تقارب مع مي أبو مغلي وحوار عن صناعة المناهج الفلسطينينة. ...

51 0

استنونا الخميس #بودكاست_تقارب #والنعم_والنعمتين ...

33 0

تعودت أغرّق حالي بكثير تفاصيل وأضل أفكر فيها لحد ما أمرقها، ومع الوقت صرت أحس منيح طول ما أنا غرقان، وبس يسألني صاحب شو أخبارك، الإجابة بإني "غرقان بالشغل" هيي مفتاح الحالة.

بعد عمر قليل، لقيت إنه الغرق في الشغل سبقه غرق بكثير أسئلة عن المستقبل والطموح وشو بدك تكون، ورح يضل ينضاف عليها كثير تفاصيل لقدام، لتصير إجابتي: غرقان بالشغل والدراسة ومع العيلة والاولاد و .... الخ، مش كيف حاسس معهم.

لما يتحول الغرق بحد ذاته للشعور المرافق بأغلب محطات حياتك، بلاقي حاله الوحد مش مقدر إنه أخد ترقية في الشغل لحد ما صديق يقوله ليش مش مبسوط؟! هوي أنا مبسوط بس بفكر بالشغل!

وبتلاقي حالك بتحكي مع حالك ع طاولة الأكل مع العيلة وانت بتفكر بمستقبل العيلة، محتاج حدا ع الطاولة يحكيلك إنك حكيت مع حالك من شوي، عشان تفتح عينيك وتشوف قدام عينك العيلة اللي المفروض تنبسط معها اليوم.

وبتخسر شريكة محتملة وانت بتغرّقها معك في شكك وقلقك أكثر من اهتمامك ومحبتك، وبس تقولك بديش هذا الغرق وكل هاي الهدايا، بتنصدم، وبعد شوية وقت بتصحى ع حالك، وبتشوفها غرقانة بتفاصيل كفاية، مش ناقصها.

ما حدا فينا بعيد عن هاي المعادلة، هاي الحياة اللي بنعيشها وبنلعب فيها، واحنا خايفين من شكل المستقبل، بنخسر يومياتنا، وبنخسر تفاصيل بين إيدينا وإحنا بنركض ورا بكرة، بنميزش حتى الخسارة لأنه عنا خوف من كمان خسارة، ولأنه عيننا لقدام بعيد.

إحنا أولاد القلق الدائم، ورثناه وربينا وكبرنا عليه، حتى لو ما كان اله أسباب حاضرة اليوم، كل حدا فينا بطلع ع حاله أو عنده صديق بشوفه من بعيد مش ناقصة شي، بس كمان قلقان، وبالأغلب بخسر فرص بسبب قلقه بس.

ما بتميز هذا الحكي غير لما تفصل عدادات راسك تماما عن التفكير والعد والحسابات، والمشكلة إنك بتعرفش أو بتخاف تفصلها، فبدك الحظ يحطك بظروف تفصلك وتهدّي بالك شوي.

بالمناسبة، الله يهدّي بالك، من أجمل الدعوات اللي بتمس الواحد فينا من جوا.

الله يهدّي بال الجميع. ❤️

📸 : @mahmoud.a.badawi
...

441 40

فش صوت مش مهم، قوم ارقص عليه. ...

173 16

‏حاورت سامي أبو شحادة في الحلقة الثانية من #بودكاست_تقارب قبل عام ونصف حول العمل السياسي في أراضي ال٤٨ وتحدياته.

‏أعيد نشر الحلقة اليوم بالتزامن مع محاولات تصفيته سياسيا، ولما فيها من حديث كأنه سُجل اليوم.

‏رابط الحلقة الثانية في البيو وتجدونها في اليوتيوب ومنصات البودكاست.
...

562 2
المقلوبة رهاننا الرابح 😎 #مقلوبة_مباركة #بودكاست_تقارب #والنعم_والنعمتين

المقلوبة رهاننا الرابح 😎 #مقلوبة_مباركة #بودكاست_تقارب #والنعم_والنعمتين ...

29 0